دخلت موريتانيا مرحلة إنتاج الغاز وهي تحمل توقعات كبيرة: إيرادات جديدة، صادرات أوسع، كهرباء أفضل، وقدرة أكبر على تمويل التنمية. لكن الأشهر الأولى من هذه المرحلة تطرح سؤالاً معاكساً: لماذا ظل الاقتصاد الموريتاني معرضاً للاضطراب رغم بدء عصر الغاز؟

الإشارة الأوضح جاءت من الميزانية نفسها. فقد اضطرت الحكومة إلى تعديل قانون المالية في منتصف السنة، بدافع التوترات الجيوسياسية والقيود التجارية وعدم اليقين العالمي — [رابط داخلي: مقال «حين تعيد موريتانيا كتابة ميزانيتها في منتصف الطريق»]. المفارقة أن مورداً جديداً بهذا الحجم لم يمنع الحاجة إلى إعادة ترتيب الحسابات قبل نهاية السنة.

زاوية الاقتصاد

لا تدخل إيرادات الغاز إلى الاقتصاد بالطريقة نفسها التي تدخل بها أجور ملايين العمال أو أرباح آلاف الشركات. إنه قطاع كثيف الاستثمار، لكنه لا يخلق تلقائياً عدداً كبيراً من الوظائف المباشرة.

كما أن الاقتصاد ما زال مرتبطاً بالحديد والذهب والصيد والزراعة وأسعار الغذاء والطاقة المستوردة. وقد تباطأ النمو سنة 2025 نتيجة ضعف القطاع الاستخراجي، إلى جانب انتهاء مرحلة البناء الكبرى المرتبطة بمشروع الغاز.¹

زاوية السياسة

تبدأ مشكلة الموارد الطبيعية عندما تتحول الإيرادات المتوقعة إلى مبرر لزيادة الإنفاق قبل أن تصبح مستقرة. تحتاج موريتانيا إلى قواعد واضحة تحدد مقدار ما يدخل الميزانية، وما يُدخر، وما يُخصص للأجيال القادمة.

الأهم هو نشر العقود والإيرادات الفعلية والجهات المستفيدة، حتى لا يبقى الغاز وعداً سياسياً يصعب على المواطنين قياسه.

زاوية المجتمع

قد ترتفع الصادرات بينما تظل الأسر تواجه أسعار الغذاء والبطالة وضعف الخدمات. لذلك يجب ألا يُقاس أثر الغاز بمساهمته في الناتج وحدها.

التحول الحقيقي يظهر عندما تتحسن الكهرباء والمياه والتعليم والصحة، وعندما يستطيع الشباب دخول سلاسل الخدمات المرتبطة بالطاقة بدلاً من بقائهم خارج القطاع.

زاوية البيئة

تقع موريتانيا في منطقة شديدة التعرض للجفاف والتصحر وارتفاع الحرارة. كما يحمل إنتاج الغاز البحري مخاطر مرتبطة بالتسربات والنفايات وتأثير المنشآت في الصيد والنظم الساحلية.

إذا استُخدمت الإيرادات لبناء قدرة أفضل على إدارة المياه والطاقة النظيفة والتكيف المناخي، فقد تصبح الثروة أداة للحماية. أما إذا أُجلت هذه الاستثمارات، فستزداد كلفتها لاحقاً.

زاوية التقنية

يحتاج قطاع الغاز إلى مهارات في التشغيل والصيانة والسلامة والبيانات والخدمات البحرية. ومن دون نقل فعلي للمعرفة، ستذهب نسبة كبيرة من الوظائف الأعلى قيمة إلى شركات وخبرات أجنبية.

التحدي هو ربط الجامعات والتكوين المهني بالمشروعات قبل أن تتحول فجوة المهارات إلى واقع دائم.

زاوية الرأي

لا ينبغي مطالبة الغاز بحل كل مشكلات موريتانيا. لكن لا ينبغي أيضاً السماح بأن يصبح حجمه وتعقيده ذريعة لإبعاده عن المساءلة العامة.

الثروة لا تحمي الاقتصاد لمجرد وجودها تحت البحر. ما يحميه هو المؤسسات التي تدير الإيرادات، وتمنع الإنفاق المتقلب، وتربط القطاع ببقية الاقتصاد.

دخلت موريتانيا عصر الغاز، لكن السؤال ما زال مفتوحاً: هل ستستخدمه لتقليل هشاشتها، أم ستضيف مورداً جديداً إلى اقتصاد قديم؟

المصادر

  1. البنك الدولي / البنك الأفريقي للتنمية — التوقعات الاقتصادية لموريتانيا، 2026
  2. الوكالة الموريتانية للأنباء — مصادقة مجلس الوزراء على مشروع قانون المالية المعدل، 16 يوليو 2026