نزل آلاف التونسيين يوم السبت ٢٥ يوليو إلى شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة، في الذكرى الخامسة لتعليق البرلمان وبدء الحكم بالمراسيم، مطالبين برحيل الرئيس قيس سعيّد ومنتقدين تدهور ظروف العيش وإدارة الدولة. جاءت المسيرة بعد أسبوعين من انقطاعات كهربائية متواصلة منذ ١٢ يوليو، رافقتها اضطرابات في التزود بالماء وموجة حرّ تجاوزت ٤٩ درجة في مناطق عدة. وخلال تلك الأيام، خرجت احتجاجات محلية في منزل عبد الرحمان بولاية بنزرت، حيث أُحرقت إطارات في وسط المدينة، وفي زغوان ونابل والمنستير وسوسة١٬٢.

هذان حدثان لا حدث واحد. الأول احتجاج على خدمة، بلا قيادة معلنة ولا مطلب سياسي موحّد. الثاني مسيرة منظّمة بوجوه معروفة ومطلب صريح. الخلط بينهما يمنح كل طرف ما يريده: للسلطة أن تقرأ الغضب على الكهرباء تحريكاً سياسياً، وللمعارضة أن تقرأ كل انقطاع تأييداً لها. ما يجمعهما ليس المطلب، بل انهيار الثقة في من يتولّى الحساب.

زاوية السياسة

حين انقطع التيار، لم يكن السؤال تقنياً وحده. غاب الرئيس عن المشهد العام منذ ٨ يوليو، ثم ظهر في ١٨ يوليو في زيارة إلى مركّب مياه تابع للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، منتقداً الانقطاعات ومطالباً بمحاسبة المسؤولين عنها٣.

مطالبة رأس الدولة بالمحاسبة تبدو استجابة، لكنها تطرح سؤالاً بنيوياً: من يحاسب من، حين تكون السلطة التنفيذية والشركة العمومية والجهة الرقابية في يد واحدة؟ المحاسبة التي تُعلن من الأعلى تظلّ إجراءً، لا آلية.

زاوية الاقتصاد

تقول الشركة التونسية للكهرباء والغاز إنها لم ترفع التعريفة منذ الأول من ماي ٢٠٢٢، وإن طريقة الاحتساب المعتمدة تهدف إلى توجيه الدعم إلى مستحقيه، بحيث يستفيد من لا يتجاوز استهلاكه ٢٠٠ كيلوواط ساعة شهرياً من القسط الأول٤.

هذا صحيح، وهو بالضبط موضع المشكلة. التعريفة تصاعدية: كلما ارتفع الاستهلاك انتقل المشترك إلى قسط أغلى. وفي حرارة تقارب الخمسين، لا يكون التبريد اختياراً. النتيجة أن الفاتورة ترتفع مرتين: مرة بالكمية، ومرة بالسعر. ثم يأتي الحلّ في صيغة تقسيط: أكثر من مليوني حريف، أي نحو ٣٠٪ من حرفاء الشركة، لجأوا إلى التقسيط بين فيفري وجوان ٢٠٢٥٥.

شركة عمومية تموّل فواتير ثلث زبائنها ليست شركة تواجه أزمة موسمية. وقد بلغ دينها ٧٫٣٦ مليار دينار في يونيو ٢٠٢٦، مقابل ٦٫٠٦ مليار دينار من الفواتير غير المستخلصة لصالحها٦.

زاوية المجتمع

هنا يتوقف الحديث عن الأرقام. أفادت وسائل إعلام محلية بارتفاع حصيلة الوفيات المرتبطة بالانقطاعات إلى خمسة أشخاص بعد توقف مكثفات الأكسجين المنزلية، بينهم مريضة بالسرطان٧.

وإلى حدّ كتابة هذا النص، لم تنشر وزارة الصحة أي معطيات أو إحصائيات عن وفيات مرتبطة بموجة الحر أو بانقطاع التيار٨.

الرقم الوحيد المتداول صادر عن الصحافة، لا عن الدولة. وهذا ليس تفصيلاً إحصائياً: الدولة التي لا تعدّ ضحايا انقطاع تديره هي بنفسها لا تملك الأداة التي تسمح لها بتصحيحه.

زاوية البيئة

انقطاع الماء ليس نتيجة انقطاع الكهرباء وحده، وإن كان توقف محطات الضخ جزءاً منه. الشبكة متقادمة، وسنوات الجفاف خفّضت منسوب السدود، والتقسيط الليلي للماء ليس جديداً؛ فهو معمول به منذ مارس ٢٠٢٣٣.

بعبارة أخرى: أزمة يوليو لم تخلق العجز، بل جعلته مرئياً في وقت واحد وفي كل الجهات.

زاوية التقنية

دعت الإدارة الجهوية للصحة بمدنين مرضى القصور التنفسي المزمن الذين يستعملون مكثفات الأكسجين في منازلهم إلى التوجّه إلى أقرب مستشفى عند انقطاع التيار٩.

هذا ليس حلاً، بل نقل للعبء إلى المريض. والمطلب الذي رفعته العائلات كان أبسط وأدقّ: سجلّ وطني للمرضى المعتمدين على أجهزة طبية منزلية، يتيح استثناء مساكنهم من القطع الدوري. سجلٌّ كهذا ليس مشروعاً ضخماً ولا يحتاج إلى تمويل خارجي. غيابه ليس مسألة إمكانيات، بل مسألة أولويات.

زاوية الرأي

لم تقل الدولة إنها فوجئت. أكدت الشركة أن الاستعداد لصيف ٢٠٢٦ انطلق منذ أكتوبر ٢٠٢٥ ببرنامج صيانة وتدعيم لخطوط النقل والتوزيع، وأن الظروف المناخية استثنائية ولا تخصّ تونس وحدها١٠. وأرجع الرئيس المدير العام الضغط إلى الاستعمال المكثف للمكيفات، مشيراً إلى أن الطلب قد يكون بلغ مستوى قياسياً عند ستة جيغاواط١١.

هذا التفسير يقلب المسؤولية. المكيّف في ٤٩ درجة ليس ترفاً يُلام صاحبه عليه، بل هو الطلب المتوقّع نفسه الذي يُفترض أن تُبنى الشبكة لأجله. حين تُصمَّم المنظومة لصيف لم يعد موجوداً، ثم يُقدَّم سلوك الناس تفسيراً للعجز، فإن ما يجري ليس شرحاً بل إعادة توزيع للّوم.

والفرق بين الرواية الرسمية والشارع لا يقاس بعدد المحتجين، بل بشيء أبسط: الدولة تقول إنها استعدّت، والمواطن يقول إن الفاتورة ارتفعت والتيار انقطع وخمسة أشخاص ماتوا دون أن يُحصيهم أحد.

بعد عودة التيار وانحسار الحرّ، يبقى السؤال الذي لم تجب عنه لا الشركة ولا الوزارة: من يتولّى العدّ؟

المصادر

  1. الجزيرة — مسيرة ٢٥ يوليو في العاصمة، ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
  2. العربي الجديد — احتجاجات على الانقطاعات في عدة مدن، ٢٣ يوليو ٢٠٢٦
  3. العرب ويكلي — ظهور الرئيس، وانتقاده للانقطاعات، وأثرها على شبكة المياه، ١٨ يوليو ٢٠٢٦
  4. بوابة تونس — بلاغ الشركة حول التعريفات
  5. تونس الرقمية — التقسيط وأعداد المنتفعين
  6. نواة — دين الشركة ومسألة الحوكمة، ١٩ يوليو ٢٠٢٦
  7. يورونيوز عربي — الوفيات المرتبطة بتوقف مكثفات الأكسجين، ١٦ يوليو ٢٠٢٦
  8. الترا تونس — شهادات عائلات، وغياب أي معطيات رسمية، ٢٣ يوليو ٢٠٢٦
  9. ويب مانجر سنتر — خطة مدنين لمرضى الأكسجين المنزلي، ٢٠ يوليو ٢٠٢٦
  10. تونس الآن — الشركة: الاستعداد انطلق منذ أكتوبر ٢٠٢٥، ٢٠ يوليو ٢٠٢٦
  11. وكالة الصحافة الفرنسية — تصريحات الرئيس المدير العام والطلب القياسي، ٢٢ يوليو ٢٠٢٦