أكدت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية، بالإجماع، جميع التهم السبع عشرة الموجهة إلى خالد محمد علي الهشري، وأحالته إلى المحاكمة. تتعلق التهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يُزعم ارتكابها بحق محتجزين في سجن معيتيقة بين مايو 2014 ويونيو 2020. وينفي الهشري التهم الموجهة إليه. المحكمة الجنائية الدولية، 16 يوليو 2026، Reuters، 16 يوليو 2026
القرار لا يعني الإدانة. إنه يعني أن القضاة رأوا أن الأدلة المقدمة تكفي للانتقال من المرحلة التمهيدية إلى المحاكمة. لكنه يفتح باباً لم تدخله ملفات ليبيا السابقة بهذه الصورة: محاكمة دولية تتمحور حول الجرائم المرتكبة في البلاد.
زاوية السياسة: تحقق المحكمة في الوضع الليبي منذ إحالة مجلس الأمن الملف إليها سنة 2011. لكن تنفيذ مذكراتها ظل مرتبطاً بقدرة الدول على توقيف المشتبه بهم وتسليمهم. وجود الهشري في عهدة المحكمة يمنح القضية مساراً فعلياً، لكنه يكشف أيضاً اعتماد العدالة الدولية على تعاون سياسي لا يتوفر دائماً.
زاوية المجتمع: بالنسبة إلى الضحايا، لا تعوض المحاكمة سنوات الاحتجاز أو التعذيب المزعوم. لكنها تخلق سجلاً قضائياً يمكن فيه سماع الشهادات واختبار الأدلة وتحديد المسؤولية الفردية. الخطر هو اختزال الضحايا في مادة قانونية بعيدة عن المجتمع الليبي، إذا لم تُشرح الإجراءات وتُترجم تطوراتها بوضوح.
زاوية الاقتصاد: تؤثر مراكز الاحتجاز المسلحة والانقسام المؤسسي في الاقتصاد أيضاً. فهي توسع اقتصاد الحماية والابتزاز، وتضعف الثقة في القضاء والاستثمار، وتجعل الوصول إلى الحقوق مرتبطاً بالسلطة المسلحة. العدالة ليست ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ إنها جزء من البيئة التي يعمل فيها.
زاوية البيئة: تبدو البيئة الزاوية الأضعف هنا، لكنها تظهر داخل السجن نفسه: جودة المياه والتهوية والصرف والرعاية الصحية ليست تفاصيل خدمية عندما يُحرم المحتجزون منها عمداً أو يعيشون في ظروف غير إنسانية. المكان المادي يمكن أن يصبح جزءاً من الانتهاك.
زاوية التقنية: تعتمد القضايا الدولية المعاصرة على صور واتصالات وبيانات رقمية إلى جانب الشهادات. لكنها تحتاج إلى التحقق من المصدر والتاريخ وسلسلة الحفظ حتى تصلح دليلاً. كثرة المحتوى الرقمي لا تعني تلقائياً سهولة إثبات الجريمة.
زاوية الرأي: لن تحل محاكمة شخص واحد أزمة العدالة في ليبيا. لكنها قد تكسر فكرة أن مرور الوقت والانقسام السياسي كافيان لإغلاق الملف. في المقابل، لا ينبغي أن تتحول المحكمة الدولية إلى بديل دائم عن بناء قضاء ليبي قادر على العمل.
السؤال الذي تفتحه المحاكمة ليس فقط ما إذا كان الهشري سيُدان، بل: هل يمكن لقضية واحدة أن تدفع ليبيا من توثيق الانتهاكات إلى بناء مساءلة مستمرة؟
