انتهى المونديال قبل أيام، وبدأ العدّ العكسي لما بعده. في بنسليمان، على بُعد ثمانية وثلاثين كيلومتراً شرق الدار البيضاء، تُصبّ الخرسانة التي يُفترض أن تصبح أكبر ملعب لكرة القدم في العالم: مئة وخمسة عشر ألف مقعد، ونصف مليار دولار، وموعد نهائي اسمه ٢٠٣٠. لكن «زوايا» لا تسأل عن الملعب. تسأل عمّا يشتريه.

خمس مرات ترشّح المغرب لاستضافة كأس العالم منذ ١٩٩٤، وخمس مرات عاد خالي اليدين. في المرة السادسة دخل من الباب الأوروبي: ترشيح ثلاثي مع إسبانيا والبرتغال. وهنا الزاوية الأولى التي تستحق التوقف: أول مونديال يصل الضفة الجنوبية للمتوسط يصلها ممسكاً بيدٍ أوروبية. هل هذا اعترافٌ بمكانة المنطقة، أم تذكيرٌ بشروط دخولها؟

زاوية الاقتصاد تبدأ بالأرقام وتنتهي بالأسئلة. حزمة استثمارية تناهز أربعة مليارات ونصف المليار دولار: ملعبُ بنسليمان وحده بنصف مليار، وترقية ستة ملاعب أخرى بأكثر من ملياري دولار، وما تبقى طرقٌ ومطارات وسككٌ وفنادق. المقارنة المطمئنة جاهزة: قطر أنفقت مئتي مليار. لكن المقارنة الصادقة أقسى: الناتج المحلي المغربي أقل من ثلثي القطري، والدرهم المستثمَر في المقعد رقم ١١٥٬٠٠٠ هو درهمٌ لن يُستثمر في مكان آخر.

السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس «كم يكلف؟» بل «ماذا كان سيُبنى بدلاً منه؟»

زاوية السياسة تقرأ الملف كوثيقة دبلوماسية. الترشيح الثلاثي ليس ترتيباً لوجستياً؛ إنه أطول جسرٍ رمزي بُني فوق مضيق جبل طارق منذ قرون. الرباط تراكم منذ عقدٍ أوراق القوة الناعمة — من نصف نهائي قطر إلى استضافة كأس أفريقيا — وتحوّلها الآن إلى موقعٍ تفاوضي: على النهائي نفسه، الذي تريده الدار البيضاء وتريده مدريد. من يحصل على مباراة واحدة يحصل على صورة العقد.

زاوية المجتمع تنظر إلى من لا تلتقطهم الكاميرات. المونديالات تُعيد رسم المدن قبل أن تُقام فيها مباراة واحدة: أحياءٌ تُرمَّم وأخرى تُزاح، عقاراتٌ ترتفع، وعمالةٌ موسمية تتدفق ثم تُترك لمصيرها. والسؤال المغاربي تحديداً: هل يُقرَّب المونديال شبابَ الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا من الحدث، أم يكتفي بعبورهم كجمهورٍ مدفوع التذكرة؟

زاوية البيئة هي الأكثر إحراجاً. البلد الذي يبني أكبر ملعب في العالم هو البلد نفسه الذي تُقنَّن فيه مياه الحمّامات في مواسم الجفاف. عشبٌ يُروى، ومكيفاتٌ تعمل، وأسمنتٌ يلتهم المياه الجوفية — في منطقةٍ صنّفتها تقارير المناخ بين الأكثر عطشاً في العالم. ليست دعوةً لإلغاء الحلم؛ إنها مطالبةٌ بفاتورته المائية، معلنةً وبالأرقام.

زاوية التقنية ترى الوجه الآخر للبنية التحتية. مع الملاعب تصل شبكات النقل والاتصال، وتصل أيضاً منظومات المراقبة والتحكم في الحشود التي تُركَّب للمونديال ولا تُفكَّك بعده. ما يدخل المدينة باسم الأمن الرياضي يبقى فيها باسم الأمن فقط. مَن يقرر ماذا يبقى؟

وتبقى زاوية الرأي، وسنقولها بوضوح: ٢٠٣٠ فرصةٌ لا تُهدر وامتحانٌ لا يُغَش فيه. إن تحوّل الملعب بعد صافرة النهاية إلى قاعةٍ تصدح فيها مباريات الرجاء والوداد أمام عشرين ألف متفرج في مدرجات صُممت لمئةٍ وخمسة عشر ألفاً، فسنكون قد بنينا أغلى نصبٍ تذكاري في تاريخ المنطقة. أما إن كانت الطرق والسكك والمطارات هي المشروع الحقيقي والمونديال مجرد موعد تسليمها، فقد يكون هذا العقد لحظة المغرب الكبير التي انتظرها منذ ١٩٩٤.

القصة لم تكتمل بعد. نحن في ٢٠٢٦، والخرسانة ما زالت طرية. لكن الأسئلة يجب أن تُطرح الآن؛ لأن في ٢٠٣٠ لن يتسع الوقت إلا للتصفيق.