ضربت تونس موجة حرّ ثانية بلغت ذروتها يوم الأربعاء ٢٦ أوت ٢٠٢٦، حين قاربت الحرارة الخمسين درجة في القيروان وباجة١. لكن الرقم القياسي لم يكن الخبر الأهمّ؛ الأهمّ أن الحرّ وضع الماء والكهرباء والحياة اليومية تحت ضغطٍ غير مسبوق، ودفع الدولة إلى تدخّلٍ عسكريّ لتوزيع مياه الشرب.
زاوية الشبكة
التكييف كان المتّهم الأول. فقد بلغت ذروة الطلب على الكهرباء نحو خمسة آلاف ميغاواط، أي حوالي ٣٠٪ فوق الاستهلاك المعتاد، ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى قطعٍ تناوبيّ لتفادي انهيار الشبكة، مع مناشدة المواطنين تقليص استعمال المكيّفات١. حلقةٌ مفرغة: الحرّ يرفع الطلب، والطلب يُسقط الشبكة، وسقوط الشبكة يعطّل ضخّ الماء.
زاوية الماء
حين يُقنَّن الماء إلى ستّ قوارير للزبون الواحد، لا يعود العطش خبراً في نشرة، بل طابوراً أمام متجر.
أمام المتاجر الكبرى، امتدّت طوابير طويلة، واضطرّت بعضها إلى تقنين مياه الشرب المعبّأة إلى ستّ قوارير للزبون الواحد١. المشهد اليوميّ — البحث عن الماء بوصفه «معركة» — صار عنوان الصيف في العاصمة وخارجها.
زاوية الدولة
حين تعذّر ضبط الأزمة بالوسائل المعتادة، دخل الجيش على الخطّ. فمنذ ٢٨ أوت، جُنِّد الجيش والحرس الوطني لتوزيع الماء الصالح للشرب بالصهاريج في المناطق الأكثر تضرّراً، بنحو ثلاثة ملايين لترٍ يومياً في العاصمة وحدها٢. وفي ليلة ٢٦–٢٧ أوت، عقد الرئيس قيس سعيّد اجتماعاً طارئاً مع رئيس الحكومة ووزراء ومسؤولي شركتَي الكهرباء والمياه٢. تدخّلٌ عسكريّ لتوزيع الماء يحمل رمزيةً ثقيلة: حين يصبح الصنبور مهمّةً للجيش، فإن الأزمة تجاوزت التقنيّ إلى البنيويّ.
زاوية المناخ
خلف كل هذا سؤالٌ أكبر: ماذا لو لم تكن هذه الخمسون درجة استثناءً بل قاعدةً جديدة؟ البنية التحتية التونسية — كجاراتها — بُنيت لمناخٍ لم يعد قائماً. وكلّ صيفٍ يعيد طرح السؤال نفسه بإلحاحٍ أشدّ: هل تُدار الأزمة بالصهاريج والاجتماعات الطارئة، أم بإصلاحٍ بنيويّ يعدّ الشبكة لمناخ المستقبل؟ الصهريج يطفئ عطش يوم؛ وحده الاستثمار يطفئ عطش السنوات.
المصادر
↩ ١. لو كوريي دو لاتلاس، ٢٧ أوت ٢٠٢٦ — حرارة قرب ٥٠° في القيروان وباجة، ذروة الكهرباء ~٥٠٠٠ ميغاواط، وتقنين ٦ قوارير
↩ ٢. بنين ويب تي في / وكالة الصحافة الفرنسية، ٣٠ أوت ٢٠٢٦ — تجنيد الجيش منذ ٢٨ أوت (~٣ ملايين لتر/يوم بالعاصمة) والاجتماع الرئاسي الطارئ ليلة ٢٦–٢٧ أوت
