يوم الأربعاء ٢٦ أوت ٢٠٢٦، تحوّلت غابات شرق الجزائر إلى جحيم. في ولاية جيجل، الأشدّ تضرّراً، ابتلعت النيران منطقةً تمتدّ على أكثر من مئة كيلومتر خلال دقائق، ووصل دخانها إلى تونس بحسب صور القمر الأوروبي «كوبرنيكوس سنتينل-٣»١. الحصيلة الرسمية: اثنا عشر قتيلاً وأربعةٌ وخمسون جريحاً في جيجل وبجاية وتيزي وزو، ما يرفع عدد ضحايا حرائق صيف ٢٠٢٦ إلى ثمانية عشر٢.
زاوية البيئة
لم تكن النار وحدها الفاعل. الحرارة التي تجاوزت ٤٥ درجة، والرياح العنيفة، حوّلتا الغابة إلى وقودٍ جاهز للاشتعال٣. هذه ليست حادثةً معزولة بل نمطٌ متكرّر: شتاءٌ وربيعٌ ممطران يغذّيان نموّاً عشبياً كثيفاً، ثم تأتي موجات الحرّ فتجفّفه وتحوّله إلى مادةٍ قابلة للاشتعال بأدنى شرارة. المناخ لم يعد خلفيةً للحدث؛ صار أحد أبطاله.
زاوية المجتمع
خلف الأرقام، قرى أُخليت وأرواحٌ فُقدت، بينها طفلٌ في الثامنة٢. سكان مشاتٍ بأكملها في جيجل عادوا إلى بيوتٍ وأراضٍ محروقة، فيما نُقل ستٌّ وخمسون مصاباً بحروق، بينهم ستّةٌ في حالةٍ حرجة٢. هذه الكارثة، قبل أن تكون رقماً في نشرة، هي بيوتٌ ومواسم ومصائر.
زاوية السياسة
الرواية الرسمية اختارت لغة «العمل الإجرامي». والقراءة المناخية تقول شيئاً أصعب: أن الكارثة كانت متوقّعة.
في مواجهة الفاجعة، أعلن الرئيس عبد المجيد تبّون ثلاثة أيام حداد وطني، وتحدّث عن «عمل إجرامي»، ثم ذهب أبعد: يوم الأحد ٣٠ أوت، أعلن رغبته في إعادة تطبيق عقوبة الإعدام ضدّ «مُشعلي الحرائق»، مع طلب تعديل قانون العقوبات قبل ١٥ سبتمبر، في بلدٍ يعتمد وقفاً اختيارياً للإعدام منذ ١٩٩٣٢. هكذا انتقلت الكارثة من طور الإطفاء إلى طور التشريع في أيامٍ معدودة.
زاوية المغرب الكبير
عبور الدخان إلى تونس لم يكن تفصيلاً جغرافياً؛ كان تذكيراً بأن الحريق مغاربيّ لا جزائريّ فحسب. الصيف ذاته وضع تونس أمام أزمة ماءٍ وكهرباء، والمغرب أمام موجات حرّ متكرّرة. المنطقة تواجه التهديد نفسه بأدواتٍ منفصلة، فيما بقيت مسألة المساعدة الجوية — بينها عرضٌ مغربيّ — معلّقةً في المشهد٢.
يبقى سؤالٌ أخير يتجاوز جيجل: هل تُقرأ هذه الكارثة كجريمةٍ فرديّة يُعاقَب مرتكبها بالإعدام، أم كإنذارٍ بنيويّ يستدعي إعادة بناء منظومة الوقاية والإطفاء في زمن المناخ المتطرّف؟ الفارق بين القراءتين هو الفارق بين ردٍّ انفعاليّ يُطفئ الغضب، وسياسةٍ تُطفئ الحرائق القادمة.
المصادر
↩ ١. تي إس آيه، ٣٠ أوت ٢٠٢٦ — امتداد الحريق على أكثر من ١٠٠ كلم ووصول الدخان إلى تونس (كوبرنيكوس)
↩ ٢. لا نوفيل تريبيون / تي إس آيه، ٢٧–٣٠ أوت ٢٠٢٦ — الحصيلة (١٢ قتيلاً، ٥٤ جريحاً، ١٨ منذ بداية الصيف)، الحداد، وإعلان تبّون عن عقوبة الإعدام
↩ ٣. فيكيبيديا، «Feux de forêt de 2026 en Algérie»، ٣١ أوت ٢٠٢٦ — حرارة فوق ٤٥° ورياح عنيفة، وتفاصيل موجة أواخر أوت في جيجل
