في مساء العشرين من أوت ٢٠٢٦، لم يكن ما خرج إلى شوارع العاصمة التونسية مجرّد غضبٍ من فاتورة أو انقطاعٍ عابر. كان صرخةً مركّبة: «لا ماء، لا كهرباء، لا حرية». بهذه الكلمات الثلاث اختصر النائب السابق سمير بن عمر ما يعيشه قطاعٌ واسع من التونسيين هذا الصيف، حين تتحوّل أبسط مقوّمات الحياة اليومية إلى مطلبٍ يُتظاهَر من أجله١.

خرج مئات المحتجّين استجابةً لدعوة ائتلاف «نفس» المعارض، رافعين لافتات تندّد بـ«العطش» و«الظلام». لم تكن المطالب اقتصاديةً محضة؛ فمنذ إجراءات ٢٥ جويلية ٢٠٢١ التي جمع فيها الرئيس قيس سعيّد السلطات في يده، تُراكم منظّمات حقوقية محلّية ودولية ملاحظاتٍ حول تراجع الحقوق والحريات في البلد الذي كان مهد الربيع العربي١.

زاوية المجتمع

لعقود، عُوملت شبكتا الماء والكهرباء في تونس كملفٍّ تقنيّ، من اختصاص المهندسين لا الشارع. صيف ٢٠٢٦ قلب هذه المعادلة. فموجات الحرّ المتتالية دفعت استهلاك الكهرباء إلى مستويات قياسية بفعل التكييف، فيما ضغط شحّ الأمطار على منظومة المياه الصالحة للشرب. النتيجة أن العطل التقني صار حدثاً اجتماعياً: كلّ انقطاعٍ للتيار يُقرأ اليوم كعلامةٍ على عجز الدولة، لا كصيانةٍ روتينية.

زاوية السياسة

هذا التحوّل خطير على السلطة تحديداً، لأنه ينقل الاحتجاج من دائرة «المطلبيّ» القابل للاحتواء إلى دائرة «الشرعيّ» الذي يمسّ جوهر العقد بين الدولة والمواطن: أنت تحكم، فأين الماء؟

تحميل «الخارج» مسؤولية صنبورٍ جافّ قد يريح خطابياً، لكنه لا يعيد قطرةً واحدة إلى الأنابيب.

في مواجهة الغضب، تبلورت روايتان. رواية الشارع تختصرها لافتات المتظاهرين: الدولة عاجزة، والخدمات تنهار، والمسؤولية سياسية. أما الرواية الرسمية فتميل، كما في مناسباتٍ سابقة هذا الصيف، إلى الحديث عن «التخريب» و«أعمال تُدبَّر من الخارج» لتفسير الأعطال والنقص.

زاوية البيئة

بين الروايتين تضيع غالباً الحقيقة الأكثر إزعاجاً: أن أزمة الصيف ليست مؤامرةً ولا صدفة، بل نتيجةٌ متوقّعة لتقاطع إجهادٍ مناخيّ مع بنيةٍ تحتية منهكة وتمويلٍ عموميّ ضيّق. المنطقة بأسرها تكتشف، متأخّرةً، أن بنيتها التحتية بُنيت لمناخٍ لم يعد قائماً.

زاوية المغرب الكبير

ما يجعل الحدث التونسي أوسع من حدوده أنه ليس استثناءً. الصيف ذاته وضع الجزائر أمام حرائق مدمّرة، والمغرب أمام موجات حرّ متكرّرة. تونس اليوم مرآةٌ مبكّرة لما قد تواجهه جاراتها غداً: لحظة يصطدم فيها وعد «الدولة الحديثة» بواقع الشبكة العاجزة عن تبريد بيتٍ أو ملء خزّان.

المظاهرة انتهت، لكن السؤال الذي طرحته لم ينتهِ. فطالما بقيت الحرارة مرتفعة والشبكة هشّة، سيظلّ كلّ انقطاعٍ قابلاً للتحوّل إلى شرارة. الرهان الحقيقي ليس في تهدئة صيفٍ واحد، بل في ما إذا كانت الدولة ستقرأ في «العطش والعتمة» إنذاراً بنيوياً يستدعي استثماراً وإصلاحاً، أم مجرّد غضبٍ عابر يُدار بالخطاب حتى تنكسر موجة الحرّ من تلقاء نفسها.

الفرق بين القراءتين هو الفرق بين دولةٍ تتعلّم، وأخرى تنتظر الصيف المقبل.