في مطلع يوليو ٢٠٢٦، أبرم الحزب الشعبي الإسباني وحزب «فوكس» اليميني المتطرف اتفاقاً من أكثر من مئةٍ وخمسين إجراءً لتشكيل الحكومة الإقليمية الجديدة في الأندلس برئاسة خوانما مورينو. بين هذه الإجراءات بندٌ واحد يخصّ المغاربة مباشرةً: إنهاء برنامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية — PLACM — في نحو مئة مدرسةٍ ومعهدٍ عمومي، ابتداءً من الموسم الدراسي ٢٠٢٧–٢٠٢٨١.
البرنامج المُنهى عمره أربعةٌ وأربعون عاماً. أُطلق في إطار اتفاقية تعاونٍ ثقافي بين المغرب وإسبانيا عام ١٩٨٠، وتُشرف عليه سفارة الرباط في مدريد بالتنسيق مع وزارة التعليم الإسبانية. طُوي في مدريد عام ٢٠٢٥، ثم في مورسيا، ثم في إكستريمادورا في أبريل ٢٠٢٦، وأقاليم أخرى. الأندلس ليست البداية — بل الموجة التي تجعل النمط واضحاً بلا لبس٢.
ما الذي يُلغى فعلاً
حين يُلغى برنامجٌ لتعليم اللغة، لا تُلغى المادة وحدها. يُلغى الاعتراف بأن هذه اللغة تستحق مكاناً في المنظومة التعليمية العامة. الطفل المغربي في مدارس الأندلس لم يكن يتعلّم العربية ليصبح عربياً أكثر — بل ليكون مزدوج الانتماء دون أن يدفع ثمن أحدهما. البرنامج كان بمثابة إشارةٍ مؤسسية: ثمّةَ لغةٌ أخرى في هذا الفصل، وهي مشروعة.
يصف «فوكس» البرنامج بأنه «تدخّلٌ أجنبي» و«إضعافٌ للهوية الإسبانية»٣. وهذه الصياغة تكشف أكثر مما تُخفي: اللغة التي يتحدّث بها عشراتُ الآلاف من الأطفال الذين وُلدوا في إسبانيا أو نشأوا فيها ودرسوا في مدارسها — هذه اللغة تُعرَّف كتهديدٍ خارجي. ليس الفصل بين المهاجر وبلده، بل بين المواطن ولغته.
المدرسة كساحة هوية
ما يجري في الأندلس ليس قراراً تربوياً بالمعنى التقني — بل قرارٌ سياسي استخدم التعليم أداةً. والفرق دقيقٌ لكنه جوهري: القرار التربوي يسأل «ما الأنفع للتلميذ؟»، والقرار الهوياتي يسأل «من نريد أن يكون؟» في الأندلس كانت الإجابة الثانية مشمولةً في ورقة الاتفاق السياسي — بندٌ بين مئةٍ وخمسين بنداً، تشترطه «فوكس» مقابل دعم رئيس الحكومة١.
والحزب الشعبي لم يكن دائماً على هذا الموقف. دافع عن البرنامج في مراحل سابقة٣. ما تغيّر ليس اقتناعه بالمحتوى، بل ثمن الكرسي. والثمن دُفع من رصيد برنامجٍ بناه جيلان من الجالية ودافعَي ضرائب إسبانيين ومغاربة معاً.
المغرب وضفّتاه
من الضفة المغربية، يبدو الحدث رمزياً أكثر مما هو استراتيجي. البرنامج لم يكن يصنع المغاربة الذين يرفضون الاندماج — كان يصنع من يستطيعون الاندماج دون نسيان. وهذا النوع من الناس — الذي يُجيد لغتَين وينتمي لثقافتَين — هو تحديداً ما تعدّه خطابات اليمين المتطرف مشكلةً لا حلاً.
ما يستحق الرصد ليس هذا القرار وحده، بل الجغرافيا التي ترسمها القرارات المتراكمة: مدريد، مورسيا، إكستريمادورا، أراغون، قشتالة وليون، الأندلس. الخريطة تتّسع، والمنطق نفسه يتكرّر في كل مرة — التحالف نفسه، الاشتراط نفسه، الضحية نفسها. ليست مصادفاتٍ جغرافية بل خيارٌ يتّسع.
لغةٌ تُحذف من الجدول المدرسي لا تختفي من بيوت من يتحدّثونها. لكنها تُرسل رسالةً: هذه اللغة لها مكانٌ في الشارع، لكن ليس في المدرسة. والمدرسة هي المكان الذي قرّر المجتمع أن يقول فيه ما يعتبره جديراً بالتعلّم.
١. تيل كيل عربي، يوليو ٢٠٢٦ — حكومة الأندلس تقرر إنهاء برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية من ٢٠٢٧ ↩
٢. يبلادي عربي، ٨ يوليو ٢٠٢٦ — بعد مدريد ومورسيا: الأندلس تتجه إلى إلغاء البرنامج في نحو ١٠٠ مؤسسة ↩
٣. العالم (المغربية)، يوليو ٢٠٢٦ — «فوكس» يصف البرنامج بـ«التدخل الأجنبي» — تفاصيل اتفاق ١٥٠ إجراءً ↩
