في الأول من أغسطس ٢٠٢٦ نشر «المرصد التونسي للاقتصاد» تقريراً يقلب تفسير أزمة الكهرباء التي ضربت البلاد في يوليو: ليست موجة الحرّ وحدها من أطفأ البيوت، بل تراجعٌ استثماريّ متراكم أفرغ الشركة التونسية للكهرباء والغاز من قدرتها على مواكبة الطلب١.
الرقم الذي يختصر التقرير صادمٌ في وضوحه: انهارت استثمارات «الستاغ» من ١٬٩٤٧ مليار دينار في الفترة الممتدة بين ٢٠١٦ و٢٠٢٠، إلى ٢٤٨ مليون دينار فقط بين ٢٠٢١ و٢٠٢٥ — أي بتراجع نسبته ٨٧٪ بين فترتين خمسيتين متتاليتين٢.
زاوية الاقتصاد
لا تُقاس خطورة الرقم في ذاته، بل في اتجاهه المعاكس للطلب. فبينما يرتفع استهلاك الكهرباء في تونس بمعدّل ٣٫٨٪ سنوياً، تراجعت الطاقة المركّبة الصافية المضافة إلى ما يقارب ثلث ما كانت عليه، فتتّسع الفجوة بين ما يُنتَج وما يُستهلَك عاماً بعد عام٢.
ويُدفَع هذا التراجع ثلاث مرّات لا مرّة واحدة: انقطاعٌ يشلّ النشاط، وخسائر داخل الشبكة نفسها، وكلفةٌ إضافية لتشغيل وحداتٍ قديمة مكلفة أو استيراد الطاقة لسدّ العجز٣. بهذا المعنى يصبح التقنين نتيجةً حسابية لا حادثاً طارئاً: شبكةٌ لم تتلقَّ استثماراً كافياً لعقدٍ كامل تُطالَب فجأةً بحمل ذروة تبريدٍ لم تُبنَ لها. الحرارة كشفت العجز في لحظته الأقسى، لكنها لم تُنشئه.
زاوية السياسة
أقوى ما في التقرير أنه يزيح التفسير من الطقس إلى القرار العمومي. فالفجوة الاستثمارية ليست قدراً مناخياً، بل حصيلة سنواتٍ من تأجيل المصادقة على مشاريع الشركة وتعثّر تمويلها — وهو ما يجعل الجهة الوصيّة قابلةً للتسمية والمساءلة، بدل أن تذوب المسؤولية في نشرة الأرصاد١.
وهذا التحويل هو جوهر الحدث. حين تُعرَّف الأزمة بوصفها ظاهرةً مناخية، يُطوى ملفّها مع انكسار موجة الحرّ؛ وحين تُعرَّف بوصفها فجوة استثمارٍ مؤجَّلة، يبقى السؤال مفتوحاً بعد أن يعتدل الجوّ.
يمتدّ لهيب الصيف في تونس حتى أواخر أغسطس، والتقنين معه على الأرجح. لكنّ ما يتركه هذا التقرير خلفه أبعد من موسم واحد: معادلةٌ تقول إن كل عامٍ يمرّ دون مصادقةٍ على استثمارٍ جديد هو عامٌ يُضاف إلى فاتورة الظلام المقبل.
١. المرصد التونسي للاقتصاد عبر «مانجرز»، ٣ أغسطس ٢٠٢٦ — التقرير يستبعد التفسير المناخي ويشير إلى «الستاغ» ↩
٢. «بزنس نيوز»، ٢ أغسطس ٢٠٢٦ — تراجع الاستثمارات بنسبة ٨٧٪ بين ٢٠٢١ و٢٠٢٥ ↩
٣. «الإيكونوميست المغاربي»، ٣١ يوليو ٢٠٢٦ — الكلفة الثلاثية للأزمة: انقطاع وخسائر وكلفة إضافية ↩
مصدر إضافي للمراجعة — «لا برِس»، ٢ أغسطس ٢٠٢٦: تفاصيل تقرير المرصد
