في الأربعاء الخامس من أغسطس ٢٠٢٦، أعلن وزير الفلاحة التونسي عزّ الدين بن الشيخ خلال زيارةٍ ميدانية لولاية نابل أن المخزون التعديلي من بطاطا الاستهلاك للموسم الفصلي ٢٠٢٦ بلغ ١٢٬٣٩٢ طناً، موزّعةً على واحدٍ وعشرين مركزَ خزنٍ في مختلف الجهات١. نابل وحدها تحتضن ٦١٪ من هذا المخزون — سبعةُ آلافٍ وخمسمئة وستة عشر طناً في عشرة مراكز تبريد٢.

المخزون التعديلي ليس احتياطياً للطوارئ — بل أداةٌ لتنظيم السوق: حين يرتفع السعر، تُضخّ كمياتٌ منه لكبح الزيادة. الخبر أن الكمية موجودة. والسؤال لماذا احتاجت وجودها إلى إعلان وزاري.

زاوية الاقتصاد

في الخامس والعشرين من يونيو ٢٠٢٦، حذّر عضو المجلس المركزي لاتحاد الفلاحة والصيد البحري من ارتفاعٍ وشيك في سعر البطاطا قد يبلغ بين دينارَين ونصف وثلاثة دنانير للكيلوغرام، مرجعاً ذلك إلى «غياب مخزون تعديلي وعزوف الفلاحين عن التخزين»٣. أي أن المخزون الذي يُعلَن عنه اليوم جاء رداً على هشاشةٍ أُعلنت قبله بأقل من شهرَين.

الأرقام تكشف بنية المخزون: المجمع المهني المشترك للخضر خزّن مباشرةً ٣٬٣٣٨ طناً، بينما تولّى الخواصّ — في إطار اتفاقيات خزنٍ وترويج — تخزين ٩٬٠٥٤ طناً١. أي أن ثلاثة أرباع المخزون الوطني في أيدي التجار الخاصين الذين سبق أن عزفوا عن التخزين. حين يكون الانضباط طوعياً في سوقٍ يخشى التتبّعات القضائية، تصبح الأرقام أقلّ ما تقوله عن نفسها.

زاوية السياسة

البطاطا في تونس ليست مجرّد خضار — بل مادةٌ مرجعية في قياس تكلفة المعيشة. وحين يزور وزيرٌ شخصياً مخازنَ التبريد ويُصرّح بالأرقام، فهو يُرسل إشارةً مزدوجة: للمستهلك بأن الدولة تنتبه، وللتجار بأن الدولة تراقب.

لكنّ هذه الإشارة تعمل في نظامٍ تتولّى فيه الدولة ضبط أسعار سلعٍ أساسية دون أن تملك الإنتاج ولا التوزيع مباشرةً. النتيجة: المخزون التعديلي هو الأداة الوحيدة المتبقية، وهو يعتمد على من خُوِّف حتى بالأمس من تخزين البطاطا. حلقةٌ تدور على نفسها، وكل صيفٍ يعيدها إلى نقطة البداية.

١٢٬٣٩٢ طناً رقمٌ يبدو كبيراً. لكن الاستهلاك التونسي السنوي من البطاطا يُقدَّر بمئات الآلاف من الأطنان — ما يعني أن هذا المخزون لا يغطّي أسابيع. القيمة الحقيقية ليست في الكمية، بل في الإشارة: السوق يعلم أن ثمة ورقةً في يد الدولة. وأحياناً الورقة المعلومة تكفي لكبح السعر قبل أن تُستعمَل.