بدأ الأمر مساء الأربعاء ٢٩ يوليو، واتّسع طوال الخميس والجمعة. غادر عشرات آلاف الشبان — أغلبهم مغاربة، وبينهم قاصرون — سواحل الفنيدق وبليونش نحو سبتة، سباحةً حول حاجزَي الطرخال وبنزو أو سيراً على الشريط الساحلي. قدّرت السلطات الإسبانية عدد الواصلين بين ٥٠ و٦٠ ألفاً٢. هو أكبر دخول جماعي تعرفه المدينة في تاريخها.

ردّت مدريد بنشر وحدات من الجيش لدعم الحرس المدني، ثم شرعت في الإعادة. تقول الحكومة الإسبانية إن نحو ٦٩٬٥٠٠ شخص عادوا إلى المغرب خلال أربعة أيام — رقم يتجاوز تقديرها الأوّلي لعدد الواصلين نفسه٣. ويوم السبت ١ أغسطس رُكّب حاجز عائم بطول ٥٠٠ متر يمتدّ في البحر عند سدّ الطرخال٢.

ومع ذلك قال رئيس سبتة خوان خيسوس بيباس يوم الاثنين إن ما بين ٣٬٠٠٠ و٥٬٠٠٠ شخص ما زالوا داخل المدينة، وإن مركز الإقامة المؤقّتة للمهاجرين — طاقته نحو ٦٠٠ سرير — ممتلئ بالكامل، مع نحو ألف شخص يبيتون خارجه٤.

سبتة مدينة مساحتها ١٨٫٥ كلم مربّع، وعدد سكانها ٨٣٬٥٦٧ نسمة حسب المعهد الوطني الإسباني للإحصاء٥. تشكّل مع مليلية الحدود البرّية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي وأفريقيا. وسبق أن عرفت عبوراً جماعياً سنة ٢٠٢١ دخل خلاله نحو عشرة آلاف شخص١. الجديد هذه المرة ليس الحدث في ذاته، بل حجمه، وسرعة انتقاله من شاطئ محلّي إلى طاولة في بروكسل.

زاوية الاقتصاد

مساء الأربعاء ٢٩ يوليو، أي قبل ساعات من ذروة العبور، ألقى الملك محمد السادس خطاب العرش. أعلن فيه أن معدّل النموّ بلغ نحو ٤٫٩٪ سنة ٢٠٢٥، وأن التوقّعات تشير إلى بلوغ المعدّل نفسه أو تجاوزه في ٢٠٢٦، وأشار إلى موسم فلاحي جيّد وإلى ترسّخ موقع المغرب كقطب للاستثمار الصناعي١٠.

الأرقام صحيحة. والمسافة بينها وبين ما جرى على الساحل الشمالي بعد يومين هي موضوع هذه الزاوية.

البطالة الوطنية تراجعت إلى ١٣٪ سنة ٢٠٢٥، لكن بطالة الفئة العمرية ١٥–٢٤ سنة ظلّت عند ٣٧٫٢٪ حسب الإحصاءات الرسمية٩. أي أن أكثر من ثلث الشبان في سنّ العمل خارجه، في اقتصاد ينمو بوتيرة تقارب ٥٪.

المؤشّران لا يتناقضان: أحدهما يقيس حجم الاقتصاد، والآخر يقيس قدرته على الاستيعاب. وما حدث على الحدود يقول إن الثاني لم يتحرّك بسرعة الأول.

زاوية السياسة

يوم السبت ١ أغسطس، وقّع قادة ٢٢ من أصل ٢٧ دولة في الاتحاد الأوروبي رسالة مشتركة موجّهة إلى رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيس الوزراء الإيرلندي ميخال مارتن بصفة بلاده رئيسةً دورية للمجلس. بادرت بالرسالة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، وطالبت باجتماع طارئ لوزراء الداخلية وبردّ أوروبي منسّق٦.

الأسماء الغائبة عن التوقيع تقول بقدر ما تقوله الأسماء الحاضرة: فرنسا والبرتغال ولوكسمبورغ وإيرلندا، إضافة إلى إسبانيا نفسها٧.

جوهر الرسالة أنها لا تخاطب الرباط. تحمّل السياسة الإسبانية مسؤولية ما سمّته «عامل الجذب»، وتشير تحديداً إلى قرار المحكمة العليا الإسبانية في مطلع يوليو بمنع الإعادة الفورية لمن يُعترضون في البحر وهم في طريقهم إلى سبتة أو مليلية٨، وإلى قرار تسوية وضعية المهاجرين غير النظاميين الذي أعلنته مدريد في أبريل وتقدّم له نحو ١٫٢ مليون شخص٧.

ردّ رئيس الوزراء بيدرو سانشيز برسالة مضادة وصف فيها موقف بعض الدول بـ«الأناني»، وذكّر بأن سبتة خارج فضاء شنغن أصلاً، أي أن الواصل إليها لا ينتقل تلقائياً إلى بقية الاتحاد. وأيّدته فون دير لاين في هذه النقطة حين قالت إن أحداً لم يصل إلى إسبانيا القارية أو إلى بقية دول الاتحاد. لكن إيطاليا كانت قد علّقت العمل باتفاق شنغن مع إسبانيا لمدة شهر وأعادت المراقبة على القادمين منها١.

المحصّلة أن حدثاً وقع على الحدود المغربية–الإسبانية أنتج خلافاً داخل الاتحاد الأوروبي حول شنغن ذاته، ومركز الضغط فيه مدريد لا الرباط.

زاوية المجتمع

الحصيلة البشرية هي أكثر عناصر الحدث تحرّكاً وأقلّها استقراراً. أعلنت حكومة سبتة المحلية يوم الاثنين ٣ أغسطس أن عدد الوفيات بلغ ٨٨، بعد أن كان مندوب الحكومة الإسبانية في المدينة ميغيل أنخيل بيريث تريانو قد أعلن ٧٢ يوم الأحد، و٦٧ يوم السبت٤. أغلب الجثامين انتُشلت من المياه المحيطة بسدّ الطرخال ونُقلت إلى مستشفى عسكري سابق للتعرّف على الهويات. الجمعية الموحّدة للحرس المدني رجّحت أن يتجاوز العدد النهائي المئة.

في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية المغربية وفاة ١١ شخصاً: عشرة غرقاً وواحد سقط من منطقة صخرية، موضحةً أن أرقامها تخصّ من توفّوا على الجانب المغربي، وأنها تعمل مع السلطات الإسبانية على تحديد هوية جميع الضحايا٨.

الفجوة بين ٨٨ و١١ ليست تفصيلاً إحصائياً. تعني أن الوفيات على حدود واحدة تُحسب بسجلّين منفصلين لا آلية مشتركة بينهما.

والسرعة التي أُعيد بها ٦٩٬٥٠٠ شخص خلال أربعة أيام تتجاوز بكثير السرعة التي تُنجَز بها عمليات التعرّف على الهويات. ومن بين من بقوا داخل سبتة قاصرون غير مرافَقين، كثير منهم في السادسة عشرة والسابعة عشرة، تحكم وضعهم مساطر لجوء قد تستغرق شهوراً أو سنوات٩.

زاوية التقنية

قبل العبور بأيام، انتشرت على تيك توك وإنستغرام مقاطع تقول إن الحدود «مفتوحة» وإن العبور ممكن بلا وثائق. أوردت «إل بايس» أن مقاطع تضمّنت مواقع بيع بدلات الغطس والزعانف ونظّارات السباحة، وأخرى تعرض لقطات من خرائط غوغل تدلّ على شاطئ الطرخال، وأن المحتوى والحسابات اختفت من المنصّة بعد الحدث١١. وأوردت «إل إسبانيول» أن مئات الحسابات وثّقت تفاصيل الطريقة — أدوات السباحة، وحماية الهاتف من الماء — قبل أن تُحذف وتُستبدل بحسابات جديدة١٢.

الحكومة الإسبانية تنسب هذا الانتشار إلى شبكات إجرامية روّجت قراءة مضلّلة لقرار المحكمة العليا. وقد طلبت القاضية ماريا تاردون من المحكمة الوطنية تقريراً عاجلاً من الشرطة لتحديد ما إذا كان العبور منسَّقاً من شبكة منظّمة٤.

النقطة التي تستحقّ الانتباه ليست أن المنصّات حرّكت الناس — الدافع الاقتصادي سابق على المقطع المصوَّر — بل أن المادّة التي حرّكتهم حُذفت بعد وقوع الحدث. ما بقي هو ما وصفته الصحف قبل الحذف. أي أن التحقيق سيقوم على أرشيف لم يعد قائماً، وعلى ما تختار الشركات تسليمه.

زاوية الرأي

أسهل قراءة لما جرى هي الأكثر راحة لكل طرف: مدريد ترى شبكات تهريب استغلّت حكماً قضائياً، وبروكسل ترى سياسة هجرة إسبانية متساهلة، والرباط تكتفي بحصيلة من رقمين. الثلاثة صحيحة جزئياً، والثلاثة تتجنّب السؤال نفسه: لماذا يقبل ثلاثون ألفاً أو ستون ألفاً من الشبان مخاطرة الغرق مقابل احتمال دخول مدينة مساحتها ١٨٫٥ كلم مربّع.

الحاجز العائم يجيب عن سؤال الشهر المقبل. لا يجيب عن سؤال الفنيدق.

اليوم الثلاثاء ٤ أغسطس يجتمع وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي بالفيديو، والمطروح ليس سبتة بل ما إذا كانت المراقبة الداخلية بين دول الاتحاد ستُشدَّد١. وبعده ثلاثة مسارات نراقبها: اكتمال التعرّف على هويات الضحايا وما إذا كان السجلّان الإسباني والمغربي سيلتقيان عند رقم واحد؛ ونتيجة التحقيق في فرضية التنسيق؛ ومصير من بقي داخل المدينة. أما على الجانب المغربي فلم يصدر حتى الآن سرد رسمي مفصّل لما جرى بين ٢٩ و٣١ يوليو، واكتمال هذا السرد — أو استمرار غيابه — هو المؤشّر الأهمّ في الأسابيع المقبلة.

المصادر

١. يورونيوز، ٣ أغسطس ٢٠٢٦ — حصيلة الوفيات، اجتماع وزراء الداخلية، تعليق إيطاليا لشنغن، سابقة ٢٠٢١

٢. أسوشيتد برس، ١ أغسطس ٢٠٢٦ — تقدير عدد الواصلين وتركيب الحاجز العائم

٣. رويترز، ٣ أغسطس ٢٠٢٦ — عدد العائدين إلى المغرب والوضع داخل سبتة

٤. ذي سبانيش آي، ٣ أغسطس ٢٠٢٦ — حصيلة حكومة سبتة المحلية، الباقون في المدينة، التحقيق القضائي

٥. سنوبس، ٣١ يوليو ٢٠٢٦، نقلاً عن المعهد الوطني الإسباني للإحصاء — عدد سكان سبتة

٦. يورونيوز، ١ أغسطس ٢٠٢٦ — رسالة قادة الاتحاد الأوروبي

٧. غريك سيتي تايمز، ٢ أغسطس ٢٠٢٦ — الموقّعون والممتنعون، ومضمون الانتقادات

٨. الجزيرة، ٢ أغسطس ٢٠٢٦ — قرار المحكمة العليا وحصيلة وزارة الداخلية المغربية

٩. سي إن إن، ١ أغسطس ٢٠٢٦ — معدّلات البطالة ووضعية القاصرين

١٠. هسبريس، ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ — النصّ الكامل لخطاب العرش

١١. موروكو وورلد نيوز نقلاً عن «إل بايس»، ٢ أغسطس ٢٠٢٦ — المقاطع المحذوفة

١٢. ذي ويك نقلاً عن «إل إسبانيول»، ٣١ يوليو ٢٠٢٦ — حسابات محذوفة وثّقت طريقة العبور