خلال أسبوع واحد، ظهرت صورتان مختلفتان للاقتصاد المغربي. الحكومة رفعت توقعها للنمو سنة 2026 إلى 5.3%، متجاوزة الفرضية التي بُني عليها قانون المالية الحالي بـ0.7 نقطة، مدفوعة أساساً بانتعاش الزراعة وقوة الاستثمار والطلب الداخلي.¹ في المقابل، يتوقع البنك الدولي نمواً في حدود 4.2% — أي تباطؤاً بعد 4.9% سنة 2025، وهي أعلى نسبة يسجلها المغرب منذ عقد — محذراً من أثر أسعار الطاقة والجفاف المتكرر وتباطؤ الشركاء الأوروبيين.²
الفارق بين الرقمين لا يعني بالضرورة أن جهة متفائلة وأخرى مخطئة. لكنه يكشف اختلافاً في السؤال الذي يطرحه كل طرف: ماذا حقق الاقتصاد حتى الآن، وما المخاطر التي قد تمنعه من الحفاظ على زخمه؟
بحسب العرض الحكومي، يُتوقع أن ترتفع القيمة المضافة الزراعية بـ15.1%، مقابل نمو الأنشطة غير الزراعية بـ4.2%.¹
زاوية الاقتصاد
الرقم الحكومي يعكس سنة زراعية أفضل وإنفاقاً استثمارياً قوياً. لكن النمو الناتج عن عودة الأمطار لا يساوي بالضرورة تحولاً دائماً في الاقتصاد. فالقطاع الزراعي يستطيع تحقيق قفزة كبيرة بعد سنوات ضعيفة، لكنه لا يستطيع تكرار نمو بـ15% كل سنة.
السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت الصناعة والخدمات والشركات الصغيرة قادرة على حمل الاقتصاد عندما يعود الموسم الزراعي إلى مستواه العادي ويتباطأ الاستثمار العمومي.
زاوية السياسة
تحتاج الحكومة إلى رقم قوي لتأكيد أن مشاريع البنية الأساسية والدولة الاجتماعية لا تهدد الاستقرار المالي. لكن نشر معدل النمو وحده لا يكفي. يجب توضيح مقدار ما يأتي من ظرف زراعي استثنائي، وما ينتج عن تحسن مستدام في الإنتاجية والاستثمار الخاص.
الشفافية هنا لا تقلل من الإنجاز؛ بل تمنع تحويل التوقع الاقتصادي إلى أداة سياسية يصعب تقييمها.
زاوية المجتمع
قد ينمو الاقتصاد من دون أن يشعر المواطن بأن حياته تحسنت. فالأسر تقيس الاقتصاد عبر العمل والأجور والسكن والنقل وأسعار الغذاء، لا عبر الناتج الداخلي الخام.
إذا جاء الجزء الأكبر من النمو من الزراعة والمشاريع الكبرى، فإن التحدي هو وصول أثره إلى الشباب والنساء والعاملين في الاقتصاد غير المنظم، لا بقاؤه داخل قطاعات محددة.
زاوية البيئة
تظل الأمطار أحد أكبر العوامل المؤثرة في النمو المغربي. وهذه ليست مجرد مشكلة زراعية، بل علامة على هشاشة اقتصاد ما زالت المياه تحدد جزءاً كبيراً من أدائه.
الاستثمار في تحلية المياه والري وإعادة الاستخدام ضروري، لكن نجاحه يُقاس بقدرته على تقليل اعتماد النمو على موسم مطري جيد، لا بعدد المنشآت وحده.
زاوية التقنية
يرى البنك الدولي أن توسيع استخدام التقنيات الرقمية داخل الشركات ضروري لرفع الإنتاجية.²
المشكلة ليست في إطلاق خدمات رقمية إضافية، بل في مساعدة الشركات الصغيرة على استخدام البيانات والأتمتة والتجارة الإلكترونية لتحسين إنتاجها والوصول إلى أسواق جديدة.
زاوية الرأي
لا ينبغي الاختيار بين 5.3% و4.2% وكأن أحدهما الحقيقة النهائية. والواقع أن التوقعات ليست رقمين متقابلين بل مروحة: منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تتوقع 5.0%،³ وصندوق النقد الدولي 4.4%،⁴ والبنك الأفريقي للتنمية 4.2%.⁵ كلها نماذج مبنية على افتراضات مختلفة عن المطر وأسعار النفط والطلب الأوروبي، ويمكن أن تتغير.
الاختبار الحقيقي ليس الرقم الذي سيظهر في نهاية السنة فقط، بل نوعية النمو: هل يخلق وظائف؟ هل يقلل الاعتماد على المطر والإنفاق العمومي؟ وهل تستطيع الشركات الخاصة الاستمرار بعد انتهاء موجة المشاريع الكبرى؟
قد يحقق المغرب 5.3%. لكن السؤال الأصعب هو: ما المقدار الذي يستطيع الحفاظ عليه عندما تختفي الظروف الاستثنائية؟
المصادر
- وزارة الاقتصاد والمالية — عرض تنفيذ قانون المالية 2026 والإطار العام لمشروع قانون المالية 2027 أمام لجنتَي المالية بالبرلمان، يوليو 2026
- البنك الدولي — تقرير حول الاقتصاد المغربي، يوليو 2026
- منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية — المسح الاقتصادي للمغرب، يونيو 2026
- صندوق النقد الدولي — مشاورات المادة الرابعة مع المغرب، مارس 2026
- البنك الأفريقي للتنمية — التوقعات الاقتصادية في أفريقيا، مايو 2026
