في الرابع والخامس من أغسطس ٢٠٢٦، اندلعت اشتباكاتٌ مسلّحة جنوب صرمان وأجزاء من الزاوية، على بُعد نحو أربعين كيلومتراً غرب طرابلس، أسفرت عن أربعة قتلى وأكثر من عشرة مصابين١. أُغلق الطريق الساحلي الرئيسي، وأُعلن عن فرار نزلاء من سجن صرمان، وعُلِّقت إجازات عدد من المسؤولين الأمنيين في المنطقة٢.

ما يجعل هذه الاشتباكات حدثاً يتجاوز البيان الميداني: طرفاها يتبعان جهةً حكوميةً واحدة.

زاوية السياسة

ليبيا لا تعاني من قوّتين تتقاتلان فحسب؛ بل من تشظٍّ داخل كل قوّة. حين يقتتل فصيلان ينتميان اسمياً إلى الجهة الغربية في الأيام نفسها التي تتصاعد فيها الحديثُ عن مسار توحيد عسكري، تتحوّل الاشتباكات من حادثةٍ أمنية إلى سؤالٍ سياسي: هل يدخل الطرف الغربي أيّ عملية توحيد وحدته الداخلية سليمة، أم يُفاوض وهو منقسمٌ على نفسه؟

في الحادي عشر من أغسطس، رصد تحليلٌ أجرته قناة الجزيرة ما وصفه بـ«مرحلة أمنية جديدة» تشهدها البلاد، حيث تتزامن ضربات في الشرق مع تحرّكات غير معلَنة في الغرب٣. هذا التأطير — الأمن قبل التوحيد — يقلب الترتيب المعتاد في الخطاب الدولي، الذي كثيراً ما يفترض أن الاستقرار سيتبع الاتفاق السياسي لا أن يسبقه.

زاوية المجتمع

وكان الغرب الليبي قد خرج من موجة احتجاجاتٍ على انقطاع الكهرباء في أواخر يوليو — اشتباكٌ مع الدولة على موردٍ أساسي. وها هو يدخل أغسطس باشتباكٍ بين أجنحة تلك الدولة ذاتها. المواطن في صرمان والزاوية مرّ في أسبوعين بالاحتجاج على الانقطاع، وإغلاق الطريق، وسجنٍ فرّ نزلاؤه، وإجازاتٍ مُلغاة للمسؤولين الأمنيين. كل ذلك دون إعلانٍ رسمي يوضح ما جرى ومن بادر.

غياب الإعلان الرسمي ليس تفصيلاً: فحين تُطوى اشتباكاتٌ بأربعة قتلى دون سرديةٍ رسمية، تُترك الرواية للنشرات المتضاربة — وهذا بدوره جزءٌ من المشهد الأمني لا هامشٌ خارجه.

ستّة عشر عاماً بعد ٢٠١١، تبدو المفارقة ليبية بامتياز: البلد الذي يمتلك أكبر احتياطي نفطٍ في أفريقيا لا يستطيع تشغيل مكيّفاته في الصيف، ولا يضمن استمرار عمل سجنٍ على بُعد أربعين كيلومتراً من عاصمته. الإصلاح المؤجَّل لا يختبئ في الاتفاقيات؛ يسكن في كل انقطاعٍ وكل كيلومتر طريقٍ مغلق.

١. العربية، ٤ أغسطس ٢٠٢٦ — اشتباكات الزاوية وصرمان: قتلى وجرحى

٢. مصراوي، ٥ أغسطس ٢٠٢٦ — فرار نزلاء سجن صرمان وإغلاق الطريق الساحلي

٣. الجزيرة نت، ١١ أغسطس ٢٠٢٦ — تحليل: هل تدخل ليبيا مرحلة أمنية جديدة