في الرابع عشر من أغسطس ٢٠٢٦، أشرفت وزيرة المياه والصرف الصحي الموريتانية آمال بنت مولود على انطلاق أولى عمليات الحفر العميق التجريبي لاستكشاف المياه الجوفية، في موقعٍ بضواحي مدينة الطينطان بولاية الحوض الغربي١. وصف الوزارة للعملية صريح: «الأولى من نوعها في البلاد».
الهدف المستهدَف خمسمئة متراً تحت السطح. وحين تزور وزيرةٌ موقع حفرٍ بلغ في اليوم الأول ٣٨٥ متراً مع مؤشّراتٍ «مشجّعة» وفق الوزارة٢، فالرسالة ليست تقنيةً بحتة — بل إعلانٌ بأن بلداً صحراوياً يبحث عن مورده المائي في باطن الأرض لا في سمائها.
زاوية البيئة
حدّدت الدراسات الفنية ستّ مناطق أوّلية واعدة للحفر العميق في موريتانيا٣، وتأتي الطينطان أولاها. والمنطق التقني وراء الاختيار: الآبار التقليدية تصل إلى مئةٍ أو مئتَي متر وتعتمد على طبقاتٍ مائية قريبة السطح — قابلة للنضوب والتلوّث. أما الطبقات العميقة، التي يستهدفها هذا الحفر، فأقدم وأكثر عزلاً وأبطأ في التجدّد، لكنها قد تكون احتياطياً استراتيجياً في مواجهة جفافٍ متمادٍ.
هذه المفارقة هي قلب الحدث: المياه الجوفية العميقة مستدامةٌ بمعنى الوفرة، لكنها ليست متجدّدةً بالمعنى البيئي — كلّ ليترٍ يُسحَب منها ليتر من مخزونٍ تشكّل على مدى آلاف السنين. فالبحث عنها حلٌّ وسؤالٌ في آنٍ واحد.
زاوية الاقتصاد
تقول الوزيرة إن الهدف ليس مياه الشرب وحسب، بل الزراعة والتنمية الحيوانية في منطقةٍ تعاني محدودية الموارد المائية١. هذا توسيعٌ جوهري لمفهوم الأمن المائي: من بقاء (شرب) إلى تنمية (إنتاج غذاء). وهو يقترح أن موريتانيا تراهن على أن الباطن يمنحها ما لا تمنحه السماء — في بلدٍ لا يتجاوز معدّل هطوله السنوي في الجنوب مئة وعشرين ملمّاً، وينعدم في الشمال.
والرهان الحقيقي هو الوقت: إن أثبت الحفر في الطينطان جدوى تجارية، يتحوّل البرنامج التجريبي إلى استراتيجية وطنية ممتدّة. وإن أخفق، تبقى المناطق الخمس الأخرى في الانتظار مع سؤالٍ أكبر: ما البديل؟
في الساحل الأفريقي، حيث تتراجع التساقطات وتتّسع الرقعة الجافّة، يصير الحفر ٥٠٠ متراً تحت الأرض قراراً استراتيجياً قبل أن يكون تقنياً. موريتانيا لم تعلن اليوم أنها وجدت الماء — بل أنها بدأت تبحث في المكان الصحيح.
١. الوكالة الموريتانية للأنباء (AMI)، ١٤ أغسطس ٢٠٢٦ — وزيرة المياه تشرف على انطلاق عملية استكشاف المياه الجوفية العميقة بالطينطان ↩
٢. صحراء ميديا، ١٤ أغسطس ٢٠٢٦ — الحفر يتجاوز ٣٨٥ متراً ومؤشّرات أولية مشجّعة ↩
٣. مدار، ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ — ستّ مناطق أولية محدَّدة للحفر العميق ↩
